ما السر وراء كون بعضنا أعسراً، هل للأمر علاقة بالتطور أم أنها مجرد عادة تراكمية؟



    الأعسر هو المصطلح الذي يطلق على الشخص الذي يستخدم يده اليسرى بكفاءة أكثر من يده اليمنى في القيام بأموره الشخصية مثل الأكل أو الكتابة، ولا بد أنك تعرف شخصاً أعسراً فُرض عليه في طفولته أن يتدرب ويتعود على استخدام يده اليمنى عوضاً عن اليسرى، وقد تكون أنت ذلك الشخص!

    وهذه العادة من قبل الأهالي ما زالت شائعة في مجتمعاتنا حتى الآن، حتى أنه في ثقافتنا فإن ”أصحاب الشمال“ هم أهل الشر، و”أصحاب اليمين“ هم أهل الخير، بل وفي اللغة الإنجليزية أيضاً كلمة ”Right“ التي تعني ”اليمين“ تعني أيضاً ”الصحيح“ أو ”الجيد“.

    هل نسبة الأشخاص العسر في العالم قليلة حقا؟

    يعد اليوم حوالي 10٪ من سكان العالم من الأشخاص العسر، أي أن 10٪ من سكان العالم يستخدمون أيديهم اليسرى،
    ويرى العلماء أن هذه الحال كانت على ما هي عليه الآن حتى منذ عصور ما قبل التاريخ، وذلك بالاعتماد على دراسة الأدلة الأثرية التي تمكن العلماء من الحصول عليها، فكانت نسبة العسر هي دوماً الأقل.


    لكن ما هي الأدلة التي رجع لها علماء الآثار لمعرفة كل هذا؟

    بالنظر لدراسة أجراها عالم الآثار (نيكولاس توث) Nicholas Toth ووفق ما رآه في أدلة وأدوات تعود لأسلافنا الذين عاشوا منذ ما يقارب المليون ونصف المليون عام، فقد وجد أن أكثر من نصف تلك الأدوات الحجرية كانت منقوشة باليد اليمنى، وفي رقعة أخرى في كينيا تحديدا وجد فريق عالم الآثار (ريتشارد ليكي) Richard Leakey هيكلا عظميا لسلفنا الـHomo Ergaster، وبدراسة ذلك الهيكل العظمي وجد الفريق فرقا في طول عظمتي الزند وفي عمق اتصال العضلة الدالية بعظمة الترقوة على كلا الجانبين، وهذا كان دليلهم على أن صاحب هذا الهيكل لم يكن أعسراً.

    بالطبع إن اعتماد دليل بالعودة لهيكل فرد واحد ليس بالدليل القوي، لكن لنكمل حديثنا عن الآليات التي استخدمها علماء الآثار واستنبطوا منها ما إذا كان سلف منقرض منذ آلاف السنين أعسراً أم أيمنا!

    كانت بعض الجماجم المحطمة لقردة البابون أيضاً دليلاً لعلماء الآثار إلى كون سلفنا الـAustralopithecus Africanus قد حطم تلك الجماجم لفرائسه تلك من قردة البابون باستخدام يده اليمنى، وفي المقابل يرى (ستان غوش) Stan Gooch أن الإنسان البدائي Homo Neanderthalensis كان أعسراً ولكنه لم يقدم أي دليل على فرضيته تلك.

    الآن وبعيداً عن أسلافنا قليلاً، وبالانتقال لجنين قابعٍ في رحم أمه الآن! هل يرى العلماء أن بمقدورهم التنبؤ بكون الجنين أعسراً أم لا؟

    يبدو أن فكرة التنبؤ بميل الجنين بعد الولادة لاستخدام إحدى يديه بكفاءة أكثر دون الأخرى كانت قد شغلت العديد من الدراسات فعلياً، فوجدت بعضها علاقة تربط بين ذلك الفرق في الكفاءة وبين لعق الجنين لأحد إبهاميه في رحم أمه، وفي دراسة أخرى أجراها العلماء على حركة الجنين بالتركيز على الحركات التي تتطلب تركيزاً أكثر كتوجيه الجنين يده نحو عينه، وبمقارنتهم بتلك الحركات التي تتطلب تركيزاً أقل كدفع جدار الرحم، وبالاستعانة بـ29 امرأة حاملا بطفل وحيد وبصحة جيدة، راقب الباحثون تلك الأجنة في أسبوعها الرابع عشر والثامن عشر والثاني والعشرين، وبجلسات تستمر لحوالي 20 دقيقة تم تصوير الأجنة بالأمواج فوق الصوتية ليتم بعدها تجميع ومعالجة البيانات المحصلة من تلك الفيديوهات.

    وجد الباحثون من ذلك أنه فعلياً في حوالي الأسبوع الثامن عشر من تطور الجنين تبدأ علامات تطور كفاءة إحدى يديه دون الأخرى في الظهور عليه، وذلك بملاحظة كيفية إنجازه للحركات التي تتطلب تركيزا أكبر بيده تلك بكفاءة ملحوظة، ولم يكتف الباحثون عند هذا الحد بل تابعوا ملاحظاتهم وأبحاثهم تلك حتى سن التاسعة للتأكد مما وصلوا إليه.

    وبما أن كفاءة إحدى اليدين على الأخرى صفة تولد معنا، هل هي إذا صفة وراثية؟


    كالعديد من جوانب سلوكياتنا البشرية، فإن كفاءة إحدى اليدين على الأخرى سلوك يتأثر بمزيج من العوامل منها ما هو مرتبط بالجينات وأخرى بالبيئة وحتى الاحتمالات.

    في البداية كان يعتقد أن هناك جينا واحدا مسؤولا عن تحديد ذلك الفرق في الكفاءة، لكن دراسة حديثة أظهرت أنه قد يصل ذلك العدد لـ40 جيناً كاملا تساهم معاً في تحديد ذلك الفرق.

    مثلا هناك احتمال كبير أن يكون جين PCSK6 مرتبطا بالأشخاص غير العسر والمصابين بانفصام الشخصية Schizophrenia، وترتفع نسبة وجود جين الـLRRTM1 لدى الأشخاص العسر الذين يعانون صعوبة في القراءة والتهجئة.

    تشكل تلك الجينات الـ40 مع بعضها ذلك الفرق الجوهري الذي يمكن البناء عليه، لكن ما زال هناك شيء من عدم اليقين حول تلك الشروط المرتبطة بتلك الجينات (كانفصام الشخصية ومشاكل القراءة والتهجئة)، وكالعديد من الصفات التي يتم توريثها من الآباء لأبنائهم، فالأمر معقد نوعاً ما، أضف إلى ذلك أن التوائم غالباً ما يكونون متعاكسين في كفاءة إحدى يديهم على الأخرى مما يزيد الأمر غرابة وتعقيدا.

    لكن لماذا يوجد هذا الفرق في كفاءة استخدام اليدين لدى البشر أصلا؟

    للإجابة على هذا السؤال يتعين علينا العودة للّحظة التي تطورت فيها هذه السمة لدى أسلافنا، فيرجح العلماء عدة أسباب مرتبطة بتغير الطريقة التي كانوا يتحركون بها، وحتى التغيرات التي طرأت على أدمغتهم.

    يمكن أن يكون تباين كفاءة اليدين وسيلة لخلق تكامل في عمل كلتا اليدين، فعلى الرغم من أن اليد ذات الكفاءة الأكبر تكون دقتها أعلى في إنجاز العديد من المهام، لكن في المقابل ستكون اليد الأخرى ذات ردات فعل أسرع.


    في تسعينات القرن الماضي أشارت إحدى الدراسات لوجود نوع من الفرق في كفاءة استخدام إحدى اليدين على الأخرى لدى السعالي البدائية Prosimian (نوع من الرئيسيات أقل تطوراً من القردة والسعادين)، وتكون غالباً اليمنى هي ذات الكفاءة الأكبر عندما يتعلق الأمر على سبيل المثال بالتمسك بغصن شجرة بعد القفز، وعندما يتعلق الأمر بالحركات السريعة والقصيرة تكون اليسرى هي المستخدمة هنا، كالتقاط الحشرات مثلاً، وتكون هذه الفروق في كفاءة إحدى اليدين على الأخرى في الحركات المتنوعة لدى السعالي البدائية ملاحظة بشكل جلي عندما يؤديها الحيوان وهو منتصب القامة.

    يرى (بيتر ماكنيلاج) Peter MacNeilage واضع هذه النظرية، أن وجود ذلك الفرق في كفاءة إحدى اليدين على الأخرى مرده لتحسين التحرك وانتصاب الجسم لدى التحرك، فالأمر بدأ وفقا له عندما بدأت الأسلاف بالتحرك والوقوف منتصبة.
    في حين يرى (ويليام كالفن) William Calvin أن الأمر مرتبط بحمل الأمهات، منطلقاً من الحقائق التي تشير إلى أن معظم الأمهات عبر التاريخ حملن بأجنتهن على طرفهن الأيسر، فموضع الجنين في الطرف الأيسر من رحم أمه يجعله أقرب لضربات قلبها الذي يخلق له نوعا من الراحة، وبالمقابل يجعل الأم تميل لاستخدام يدها اليمنى أثناء الحمل وذلك لسهولة حركتها، وهذا ما أبقى على هيمنة اليد اليمنى في معظم الاستخدامات.

    لكن نظرية (ويليام) صعبة الإثبات لأنها مبنية في الأساس على التخمينات، ويعتريها العديد من المآخذ.

    ترى نظرية أخرى في تباين كفاءة اليدين وسيلة لخلق تكامل في عمل كلتا اليدين، فعلى الرغم من أن اليد ذات الكفاءة الأكبر تكون دقتها أعلى في إنجاز العديد من المهام، لكن في المقابل ستكون اليد الأخرى ذات ردات فعل أسرع في حال الحركات المفاجئة أو في حالات عدم الاستقرار الناجمة عن حركات سابقة ما، تماماً كما يحدث مع النادل الذي يرفع الكأس بيده ذات الكفاءة الأكبر من على الصينية التي يحملها بيده الأخرى، فبذلك تستطيع اليد التي كانت تحمل الصينية تعويض الفرق في التوازن والوزن الناجم عن رفع الكأس وتلاقي حالة عدم الاستقرار الناجمة عنه.

    وجهة نظر أخرى ترى أن استمرار وجود أشخاص عسر هو ميزة تطورية أتاحت لهم كسب ميزات أثناء التعارك والخوض في النشاطات البدنية الأخرى، وهو ما يفسر استمرار وجودهم، فلدى هؤلاء الأشخاص العسر القدرة على التعامل مع منافسيهم سواء كانوا عسراً أم لا، فإن كان منافسهم أعسرا فستكون سهولة التعامل معه الأمر البديهي، وإن كان عكس ذلك فهذا سيتيح لهم فرصاً أكبر للتدرب والتعود على التعامل مع منافسيهم من غير العسر.

    ولكن هذه الفرضية لا تستطيع أن تقدم تفسيراً مقنعا لما ترمي إليه.

    وختاماً، لا أظن بعد الذي قرأته في الأسطر السابقة أنه سيتبادر لذهنك فكرة أن الأشخاص العسر في طريقهم للانقراض، كما قد يجعلك ذلك تتمهل قليلاً قبل الخوض في عراك مع شخص أعسر!

    Nazih Amri
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع محيط المعلومات .

    إرسال تعليق